بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 15 سبتمبر، 2010


شيش ويَك/ حلم جوجل
ياسر عبدالله



Is all our life, then but a dream?
Lewis Carroll, Sylvie and Bruno

حلم مفزع، في صباح عادي تمامًا، يستيقظ المترجمون فيجدو ا أنفسهم أيقونات صغيرة في شريط أدوات جوجل المزين بألوان أربعة: أزرق، أحمر، أصفر، وأخضر، وكلهم مرشومون برنك كبير, حرفG  ملون بنفس الألوان، ذلك أن مملكتهم انتهت أخيرًا وصاروا مجرد أدوات في جوجل للترجمة.
متى تنتهي مملكة الترجمة ومتى تبدأ؟، أذكر نصًا  ترجمته، منذ سبع سنوات، وقت أن كانت برامج الترجمة تحبو، أدخلت النص الإنجليزي من ناحية فخرج عربيًا من ناحية أخرى، كماكينة فؤاد المهندس الشهيرة التي يتم إدخال العجل فيها من ناحية فيخرج سجقًا من ناحية أخرى، أخذت النص المُخرَج ثم عدلت صياغته إلى عربية مفهومة وقمت بنشره على منتدى من المنتديات، ولم يلحظ أحد لعبتي.
متى تبدأ الترجمة ومتى تنتهي؟، سؤال كهذا لا بد وأن يتضمن تعريفًا لفعل الترجمة ذاته، عند جورج فراجوبولس، في تعليقه على كتاب آن كارسون عن الشاعر الروماني كاتولوس، أن الترجمة بحث في الظلام عن كلمة مقابلة لمعنى مراوغ، لذا فهي دائمًا نقصًا وجُرحًا، وعند فالتر  بنيامين في نصه الغامض عن مهمة المترجم أنها حال/صيغة/ طريقة عمل mode للتفاهم مع غرائبية اللغة، وعند كاتب السطور أنها قراءة لنص وتفسير  لنفس النص وإعادة صياغته بلغة أخرى، فأي ترجمة تلك التي ستنتهي وأيها التي ستبقى، وهل ستبقى ترجمة بين سطرية، تتضمن النص المترجم في سطر وتفكك طريقة ترجمته في سطور تالية.
حلم ثان: أنا أختفي، ويبقى مني بروفايل سخيف على موقع الفيس بوك، يختفي كل ما ليَّ وتظل صورته بتي شيرتي البرتقالي، بعض البرامج على ذلك الموقع الشهير تعزز حلمي ذلك إذ تقوم بعمل أشياءً كثيرة من تلقاء نفسها، أكتشفها بنفسي في أوقات لاحقة وأحيانًا كثيرة لا أكتشفها على الإطلاق، ذلك الحلم أرقني حتى وضعته في الصفحات الأولى لروايتي، وتلك الصورة هي الأجمل من بين كل صوري، خلف الكاميرا كانت تقف الفتاة الوحيدة التي فاق جنونها جنوني، في حلمي الثاني تعود بي تلك الفتاة إلى حلمي الأول، ذلك أنها تقرأ كل ما ليَّ باستخدام جوجل للترجمة، هي كانت ولم تزل نمساوية.
حلم مفزع، باستيقاظ المترجمين ذات صباح بعد أحلام غير عادية، يجدون أنفسهم وهم ما يزالون في أسرتهم، إلى أيقونات في شريط ترجمة جوجل، قد تحولوا، لم ينسوا لغاتهم الإضافية فقط، بل نسوا لغتهم الأصلية كذلك، وصارت لغتهم نظامًا ثنائيًا Binary System، مكونًا من رقمين لا غير، صفر وواحد، حلم مفزع أتفاداه بارتداء تي شيرت جديد، قمت بطباعته مؤخرًا، عليه حرف G كبير بألوان أربعة: أزرق، أحمر، أصفر، وأخضر.

 ( الصورة مأخوذة عن الفيلم الأمريكي New York I love You (2009) )


السمكة خوآن والطائر فينغ/ نصوص من تشوانغ تسو
ترجمة خاصة بالنرد


مقدمة :
" الطاو خاو كالإناء/ قد يتم استخدامه، لكن طاقته لا تنفد/  هو لا قاع له، لكنه ربما كان أصل كل الأشياء/ إنه يثلم حدتها/ ويفك تشابكاتها/ ويخفت نورها/ ويتوحد مع عالم التراب/ وهو في عمقه، وسكونه، يبدو كأنه موجود إلى الأبد "
لاو تسو – كتاب الطاو
( انظر  جون كولر – الفكر الشرقي القديم – عالم المعرفة 199 )

تشوانج تسو ( 369 ق.م على الأرجح -  286 ق.م على الأرجح ) هو معلم الطاوية الثاني بعد لاو تسو، وعلى العكس من لاو تسو وليه تسو الذين تخلو من ذكرهما حوليات التاريخ، فإن تشوانج تسو كان معاصرًا للفيلسوف الصيني الكونفوشي منشيوس، لكن الكتاب المنسوب له، يحوي على الأرجح نصوصًا لكتاب آخرين من عصور مختلفة.
ويصف كتاب تشوانج تسو، في حكايات رمزية وأمثال وقصص عن قديسي الطاو، شكلًا من أشكال المعرفة ( أو العرفان الصوفي ) لا يدركه سوى الشخص الحكيم ( أو السالك بالتعبير الصوفي )، وتقوم فلسفة تشوانج تسو على أساس الاعتقاد بأن السعادة الحقيقية تكمن في تجاوز تجربة الحياة العادية وفناء الذات والتوحد مع لانهائية الكون ومن هنا يأتي قوله " ليس للرجل الكامل ذات، ليس لرجل الروح فعل مجيد، ليس لرجل الحكمة اسم."
( الترجمة عن الإنجليزية،  من كتابي:
The Holy Chuang Tzu by James Legge (Available online from sacred texts)
The Essential Chuang Tzu, by Sam Ham Li and J.P.Seaton, Shambhalla (1999))


الكتاب الأول - 1
هسياو- ياو يو أو التمتع بفطرة غير  مُعَكرٍ صَفوُها


1
في المحيط الشمالي توجد سمكة، اسم تلك السمكة خوآن Khwän  _ ولا أعلم كم لي[1] Li يبلغ حجمها، تلك السمكة تتحول إلى طائر اسمه فينغ[2] Phing، وظهره هو ( أيضًا ) _ لا أعلم كم لي يبلغ امتداده. وحين يُنهض هذا الطائر نفسه ويحلق، يكن جناحاه كتلك السحب التي تحيط بالسماء، وحين يتحرك البحر (كي يحمله على سطحه) ، يتجهز الطائر كي يحرك المحيط الجنوبي، والمحيط الجنوبي هو  يَمُ النعيم.
وهناك (كتاب يدعى) خي هسيه – سجل العجائب، نقرأ فيه تلك الكلمات – " حين يكون الفينغ منتقلاً إلى المحيط الجنوبي فإنه يرفرف ( بجناحيه) على الماء لمسافة ثلاثة آلاف لي، ثم يعرج في إعصار قدره تسعين ألف لي، ثم يخلد للراحة التي تأتي فقط بعد ستة أشهر" (وشبيه بذلك حركة النسائم التي ندعوها) أفراس الحقول، وحركة الغبار (الذي يرجف في سنا الشمس)، وحركة الأشياء الحية التي تعصف ببعضها بفعل الريح. هل لازَوَرْد فينغ هو  لون السماء الأزرق الأكثر زرقة؟ أم أن ذلك فقط بسبب امتداده وبعده اللامحدود عنا؟ لو كنت تنظر من الأعلى ( إلى الأسفل )، سينقلب إليك بصرك بنفس ذات المشهد.
2
بل وأكثر من ذلك ( لنتكلم عن ) جِماع المياه - لو لم يكن جماع المياه عظيمًا فلن يكن له القدرة على دفع قارب، أو  هز كوب من الماء في الفراغ، وستطفو القشة على سطحه كأنها قارب، ضع كوبًا في الفراغ، ستطفو القشة فيه مُسرعة. لكن المياه ضحلة والقارب عظيم – (كذلك الأمر مع) جِماع الرياح، لو لم يكن جِماع الريح عظيمًا لما كان للريح القدرة على رفع الجناحين العظيمين، لذا ( يعرج الفينغ ) إلى إرتفاع قدره تسعين ألف لي، وذلك القدر من الريح العظيمة من تحته، عندها يكن جماع الريح كافيًا، كأنه يحمل تلك السماء الزرقاء فوق ظهره، لاشيء عندها يقدر على منعه أو كبح مساره، يتابع سبيله نحو الجنوب.
يرقة الحقل والحمامة الصغيرة تبسمتا ضاحكتين عند سماع هذا الحديث، قالتا " نبذل جهدينا كي نطير نحو شجرة دردار أو نحو صفصافة، وأحيانًا كثيرة نسقط أرضًا قبل أن نبلغ مبتغانا، أي نفع لذلك (الكائن) ببلوغه ارتفاع تسعين ألف لي، والسعي نحو الجنوب؟"، ذلك الذي يمضي إلى الحقول البعيدة، ويعود عند الوجبة الثالثة ( من وجبات النهار )، سيروح بطانًا كما غدا، ذلك الذي يذهب إلى حد مئة لي سيكون عليه درس قمحه حيث توقف عند الليل، ذلك الذي يمضي حد ألف لي سيكون عليه حمل زاد ثلاثة أشهر معه. فكيف تعي هاتان الضئيلتان حقيقة الخبر؟، لا يستوي الذين يعلمون كثيرًا مع من لايعلمون سوى القليل، (ودربة) سنين قليلة لا ترقى إلى تلك التي لسنين جمة، وكيف لنا أن نعي حقيقة الخبر؟، إن فطر الصباح لا يدرك ( الأمور الحادثة بين ) أول الشهر وآخر الشهر، ويرقة الحقل قصيرة العمر لا تدرك ( الأمور الحادثة بين ) الربيع والخريف، للأعمار الصغيرة  أقدار أحداثها، وفي جنوب خو khu، هناك (شجرة) تدعى مينغ – لينغ، ربيعها خمسمائة عامًا وخريفها مثل ربيعها، وفي الأسلاف الغابرة كانوا يحكون عن شجرة التا – خون، ربيعها ثمانية آلاف عامًا وخريفها مثل ربيعها، وفانغ – زو[3] ذلك الرجل الذي عمر منذ بداية الأيام إلى هذه الأيام، _ لو ( تمنى ) كل الرجال أن يعيشوا مثله، فأي معاناة ستكون تلك المعاناة؟.
3
نقرأ في المسائل التي وضعها تانج  Thang  لكي Ki قصة مشابهة : "في الشمال القفر الخال هناك محيط شاسع من العماء، ذلك هو يم النعيم، فيه سمكة اسمها خوآن، عرضها بضعة آلاف لي، وليس هناك أحد قادرًا على معرفة طولها، وهناك ( أيضًا ) طائر اسمه فِنغ، ظهره كجبال تاي Thai، وجناحاه كالسحب التي تحيط بالسماء، كإعصار يعرج بنفسه نحو السماء كأنه على إلتفافة قرني كبش لمسافة تسعين ألف لي، حتى، بعيدًا عن تلك السحب الدخانية، يستوى رافعًا السماء الزرقاء على ظهره، ثم يمضي نحو الجنوب، نحو المحيط الواقع هناك"، فتبسم سمان، تصادف وجوده على يمين المسير، ضاحكًا من قوله، قائلًا " إلى أين يمضي طائرك ؟، إني أحجل عاليًا ثم أهبط حين أبلغ بضع قامات، ثم أطير هنا وهناك بين الأيك والأجمات، وذلك كمال الطيران، إلى أين يمضي كائنك إذًا؟"، ذلك يبين الفارق بين الحقير  والعظيم.
هناك مثل هؤلاء الرجال الذين تكفي حكمتهم لإدارة مكتب وحيد، أو الذين تكفي فطنتهم لحفظ سلام حي وحيد، أو الذين تكفي فضائلهم ليكونوا حكامًا، وبالكاد يمكنهم إدارة مقاطعة وحيدة، ويقنعون بفطنتهم البالغة ذلك الحد (تمامًا مثل ذلك السمان)، مع ذلك سيتبسم يونج دزِه  المنسوب إلى مقاطعة سونج[4] ساخرًا منهم، (فيونج دزِه) الذي لو كان العالم كله على وشك تعظيمه، لن يسع جاهدًا للحصول على التعظيم، ولو كان العالم كله على وشك تحقيره، لن يسع إلى مقاومة التحقير، ذلك الذي كان عليمًا بالفرقان بين الداخل ( تقديره لذاته ) والخارج ( تقدير الغير له )، ذلك الذي كان يعرف حق المعرفة الحد الفاصل بين المجد والخزيان، لكنه، رغم كل ذلك، توقف عند هذا الحد، لقد خَبَر نعيم اللامبالاة بهذا العالم، لكنه لم يغرس نفسه بعد (في مكانه الصحيح).
وهناك ليه دزِه[5] ذلك الذي ركب الريح ومضى في طريقه، غير مبال بكل الموجودات، لكنه عاد، رغم ذلك، بعد خمسة عشر يومًا (إلى مكانه)، بالنسبة لكل تلك الأشياء (المفترض) أن تُسعد البشر، كان حرًا من كل محاولات السعي عليها، لكنه رغم ذلك لم يمض، كان هناك شيء ما لم يزل عليه انتظاره، لنفرض أن هناك رجلًا عرج فوق (أثير) السماوات والأرض، في عاديتهما، ومضى عبر طاقات التغير الست (الفصول المختلفة)، ثم استمتع باللانهائي، فأي شيء سينتظره ذلك الرجل عندها، حينها يصدق القول "ليس للرجل الكامل ذات، ليس لرجل الروح فعل مجيد، ليس لرجل الحكمة اسم."




[1] لي مقياس صيني للمسافات يساوي 500 متر.
[2] يشابه اسم هذا الطائر الفينيق أو طائر البينو ( أبو منجل ) وكان يمثل  إله الحكمة (  تحوت ) عند قدماء المصريين.
[3] عند بعض المسلمين ومنهم المتصوفة يُعمر الخضر – الرجل الصالح الذي التقى موسى ( ع ) – إلى أن يقتله الدجال في آخر الزمان، وعند الشيعة الإمامية يُعمر المهدي إلى آخر الزمان، وعند كثير من المتصوفة يُعمر رجال صالحون يُدعون بالأقطاب والأوتاد.
[4] تقع مقاطعة سونج في وسط الصين ( على عهد أسرة تشو الملكية في زمن تشوانج تسو )، على الضفة الجنوبية للنهر الأصفر، ويمر أحد الروافد الموسمية للنهر الأصفر بوسطها، وهي موطن الفيلسوف الصيني مو تسو، ولسبب ما ( ربما السخرية من فلسفة مو تسو التي ناهض فيها الكونفوشية ورفض مبدأها في الحب الخاص – حب الوالدين - ونادى بالحب العام – حب الكون كله - ) تُطلق النكات على غباء أهلها وحمقهم.
[5] ليه دزِه ويعرف كذلك بليه تسو هو ثالث أشهر معلمي الطاوية في الصين ( بعد لاو تسو وتشوانج تسو ) وينسب له أفعال عديدة، منها ركوب الرياح، لكن تشوانج تسو على ما يبدو لا ينسب له سوى ذلك السحر بركوب الرياح، يبدو فيما حكاه تشوانج تسو حكيمًا في بعض الأحيان وفي البعض الآخر أحمقًا، وهناك كتاب منسوب له جمع بعد موته، ويضم كثير من حكايات تشوانج تسو عنه.

أَيُنا المسافرُ يا نهرُ
قصيدتان/ أسماء عزايزة

غنائم الزيت

في الخُبزِ، وَجَدَ الرجالُ
ما يَدفَعَهم إلى الأَسِرّةِ
المغبرّةٍ التي تَئِن،

سُدىً راحوا ينتظرون
غنائِمَ الزيتِ على أجسادِ
زوجاتِهم الرخوة.

فمن قَبْلٍ،
نَسَيَتْ النِساءُ
شهواتَهن في الأفران.


غربُ السلاسل

إلى أيِ غربٍ تأخُذُني رياحُ النهرِ؟
أنا التي وقفتُ برفقةِ أمي على الضفة
ثم نَسَيتُ من تكون.

أَيُنا المسافِرُ يا نهرُ
أَيُنا الذي حَزَم سلاسلَ ذاكرتَنا الصدئةِ ومضى؟ 

بعد قليلٍ،
سأتبعُ اتجاه الريحِ والحديدِ المشبع بالهواء
ولكني لن أجدَ أحدًا ليقول لي:
"أَكَلتْ الطحالبُ صَدَأَ السلاسل
وغرّبتُ وحدي".

أَيُنا المسافرُ يا نهرُ
أنا أَم أُمي السمكة؟

( الصورة مأخوذة عن الفيلم الأمريكي New York I love You (2009) )


حين جاؤا من أجلي
مارتن نيمولر/ ترجمة: حسين الحاج


مارتن نيمولر معارض ألماني بروتستانتي وناشط إجتماعي (14 يناير 1892- 6 مارس 1984)، أيّد نيمولر صعود هتلر إلى السلطة في البداية، لكن عندما أصّر هتلر على فرض سيطرة الدولة على الدين، خابت آماله، وقاد جماعة من القساوسة الألمان المعارضين  لحكم هتلر. أُلقيَ القبض عليه في عام 1937 بعد أن أبدى هتلر كراهيته الشخصية تجاهه، وانتهى به الأمر لاعتقاله في معسكرات زاكسنهاوزن وداخاو.
أطلق الحلفاء سراحه في عام 1945. أكمل مسيرته في ألمانيا كرجل دين بعد الحرب العالمية الثانية.


تعليق:
يذكر من كانت تحكي له جداته القصص والحكايات في طفولته، قصة الأسد الذي أكل الثيران الثلاثة وحكمة الثور الأخير بعد أن أُكِل أخواه "أُكِلت يوم أُكِل الثور الأبيض". فنجد هنا أن صمت نيمولر أقرب إلى صمت اللامنتمي اللامبالي بالمجتمع الذي يمثل في النهاية تواطؤًا ضده ككل. مشيراً إلى أن دفاع الفرد عن حقوق الآخرين وحرياتهم دفاع عن حقه وحريته في المقام الأول، لأن تمادي المعتدي مستمر فوق رقاب الجميع إذا لم يجد الكل رادعين له، حتى وإن تعددت أطيافهم الدينية والمذهبية والسياسية والإجتماعية وتعارضت.

حين جاؤا من أجلي
مارتن نيمولر
 

في البدء جاؤا  من أجل اليهود
فلم أبدِ اعتراضًا
لأنني لست يهودياً

 ثم جاؤا من أجل الشيوعيين
ولم أبدِ اعتراضًا
لأنني لست شيوعياً

ثم جاؤا من أجل أعضاء نقابة التجاريين
ولم أبدِ اعتراضًا
لأنني لست من أعضاء نقابة التجاريين

وحين جاؤا من أجلي
لم يبقَ أحد ليعترض.

ملحوظة:
 العظة لها أكثر من نسخة متداولة والنسخ الأخرى تضيف عناصر مختلفة مثل الاشتراكيين الديمقراطيين والمرضى والمعاقين وغيرهم.
( الصورة مأخوذة عن الفيلم الأمريكي New York I love You (2009) )




بغناء سحرة أياديهم مخضبة
قصيدتان/ إبراهيم السيد

الكف

كلُ ليلةٍ
سأنامُ قابضًا على كَفي جيدًا
الكفُ القادمة
من أماكن أخرى.

الكفُ
التي تنتمي لأسلافٍ قدامى تشققت أياديهم،
سكنوا بيوتًا مرتجلة
بموازاة قضبان السكك الحديدية.

لونها الباهت
ينتمي لبحارٍ باردة ومليئة بالدراما
مياهٌ ثقيلة كزيت كبد الحوت
داخل برطمانٍ محكم الغلق  
وكبسولات صفراء صغيرة
رافقت طفولتي.

الكف التي تنتمي
لغابات مدارية
حيث تتجمع قطرات العرق
تعبر جسدي كله
لتتسرب الحياة عبر أصابعي
كل مرة
مصحوبة بغناء سحرة
أياديهم مخضبة بالحناء.


أيام الإنسان السبعة



   كما في حلمٍ، أخرجُ من باب المدرسة، كنيسة العذراء مريم خلفي، وصانع التوابيت الخشبية المُذَهّبة علي يساري. أسير في أزقة حي الصاغة وسط خرائب متهدمة، وعواميد من الدخان الأسود الثقيل تتصاعد خلف برج الكنيسة، أترك تقاطعًا يفضي لزقاق مسدود وأدخل الذي يليه، أصعد كأنني أتسلق تل صغير حتى أجد الضريح، ضريح الخادم الذي لازم السيد البدوي أربعين عاما ومنح الزقاق اسمه.
على ناصية الشارع المجاور مئات المشيعين يحملون النعش الخشبي الأخضر الباهت. أحاول تتبع مسار النعش وهم يتقدمون مسرعين في قيظ أغسطس الرطب يحملون الجدة التي ماتت، قبل سنوات طويلة.

في التاسعة
بينما يتعلم الولد المهذب لغة أجنبية
سيرافقه أرنب أبيض صغير.
ولأنني لا أجيد لعب الكرة
سأنحاز كل مرة لجانب اللصوص
في لعبة " العسكر والحرامية "
لأكون أول من يقع في قبضتهم
أشي بأصدقائي
وأعود للبيت.

فترت همتي للحاق بالنعش بعد خطوات قليلة
أختار طريقًا مختصرًا للعودة، أقابل في منتصفه طفل نحيف يستحلب سيجارته النحيلة أمام بيت من دور واحد بجوار كومة من أمعاء منفوخة ورائحة جيف منتنة تعبق الشارع. يغرق الهياكل الخزفية الفارغة لطبول متعددة الأحجام داخل دلو خشبي متسخ ممتلئ بالصبغة.
مد الصبي ذو الندبة الملتئمة حديثًا
- يؤكدها احمرار حوافها -
يده واختار واحدة صغيرة
نقش باصبعه خطًا متعرجًا ومنحها لي.

أعود للبيت بالشارع المجاور
الأبواب مفتوحة والمائدة الكبيرة تتوسط البيت
الأكواب الزجاجية إنتاج مصنع "يـــــــٰۧس" تركت مكانها فوق الدولاب
ومُلِئت بماء الورد.
أجلس في صمت مزهوًا بلعبتي الإيقاعية المزخرفة
في انتظار عودة العائلة
من تشييع الجنازة.
 ( الصورتان مأخوذتان عن الفيلم الأمريكي New York I Love You ( 2009 ) )

وطن الصيادين/ بيتر بروجل وويليام كارلوس ويليامز
ترجمة خاصة بالنرد

اللوحة هي وطن الصيادين (Heimkehr der Jäger ) لبيتر بروجل الأكبر Pieter Bruegel ))، ويُلقب كذلك ببروجل الأول أو الفلاح – وإن لم يشتغل بالزراعة مطلقًا – وذلك لإهتمامه بحياة الريف، ويُعد من أعظم الفنانين الذين أنجبتهم الأراضي الواطئة – هولندا – بعد هيرونيموس بوش، لا يُعرف على التحديد تاريخ ميلاده وإن كان ذلك على الأرجح بين عامي 1525و1530، وذلك قياسًا على تاريخ إنضمامه إلى إتحاد الفنانين في آنتفيرب في عام 1551، وسفره بعد ذلك مباشرة إلى فرنسا وإيطاليا وصقلية، ثم عاد إلى موطنه عن طريق جبال الألب التي أثرت عليه تأثيرًا بالغًا ظهر بعد ذلك في لوحاته، وإن كان لم يتأثر بالفن الإيطالي، وبعد عودته إلى بلاده بدأ يرسم على طريقه مواطنه هيرونيموس بوش ويتناول نفس موضوعاته، يرجع تاريخ أول رسم معروف له إلى العام 1553، وتُوفي عام 1569، ويرجع تاريخ لوحته وطن الصيادين أو الصيادون في الجليد إلى عام 1565، وهي محفوظة في متحف الفن في فيينا. ( للمزيد عن بروجل الأكبر انظر عبدالغفار مكاوي – قصيدة وصورة – عالم المعرفة 119.)

صيادون في الجليد
ويليام كارلوس ويليامز


ويليام كارلوس ويليامز (1883-1963 ) شاعر أميركي ارتبط اسمه بالحداثة وبالحركة التصويرية  – موضوعاته مستمدة من الحياة اليومية العادية، في قصائده خفة حلوة وسخرية جميلة، والقصيدة من ديوانه (صور من بروجل) الصادر عام 1962.






اللوحة كلها يغمرها الشتاء
في الخلفية، جبال ثلجية
الإياب من الصيد،
قرب السماء،
عن الشِمال
صيادون أقوياء يتقدمون
أحمالهم،
لافتة الحانة، المُعَلقة من
مفصل مكسور،
إيّل، ومسيح مصلوب
بين قرنيه،
ساحة الحانة الباردة
مهجورة إلا من نارٍ موقدة ضخمة
تُلهب الريحَ -  وتُلهب النارَ
امرأة تكوم الحطب من حولها،
 من خلفها الأيمن
تل نموذجي للمتزلجين
بروجل الرسام
الَمعْنيُّ بكل تفاصيل رسمه،
اختار أيكة أبردها الشتاء
في مقدمة رسمه
ليُكمل اللوحة.

رمية نرد/ نحن الفاعلة ونحن المفعولة




يُوجه نيتشه، كما ينقل عنه كونديرا في ثلاثيته حول الرواية، سؤالاً جوهريًا لجملة ديكارت " أنا أفكر، إذًا أنا موجود "، مصوبًا رصاصات شكه للشق الثاني من الجملة الأولى، الفعل ( أفكر )، رافضًا إياه، قائلاً أن الفكرة هي ما تفكر بنفسها ولنفسها وتأتي للذهن وقتما شاءت، وعلى نحوٍ مخالف لنيتشه ومتفق معه في الوقت عينه، نوجه ( نحن ) – بين قوسين عريضين – سؤالنا إلى الشق الأول من الجملة ذاتها ( أنا ) – وهي مثل نحن -، فنحن ليست قائمة أبدًا بذاتها، إنها محض اخـــــ(ت)ــــلاف، برسم كاظم جهاد في ترجمته لكتاب دريدا الكتابة والاخـــــ(ت)ــــلاف، أو خلاف مُرجئ لآخرين حسب وصف آخرين لمفهوم دريدا نفسه.
مَن نحن؟، هكذا تبدأ أي مجموعة، بتعريفها لذوات أصحابها، مَنْ أداة استفهام تستخدم كأداة وصل للعاقل، ونحن حاء معتقلة بين نونين مثل أختها أنا النون المعتقلة بين ألفين على حد قول محمد عليّ شمس الدين، ليست افتراضًا مسبقًا واهمًا، فـ ( نحن ) تلك هي ملازمة لفعل ما، مُعَرَفة به وناتجة عنه في الوقت ذاته.
يُعرف الآخرون – اختلافنا المُرجئ – أنفسهم قائلين ( نحن، نحن،... ونحن )، مفترضين نحن سابقة وفاعلة ليفعلوا بها ما قد تم فعله من قبلهم، يقولون ليفعلوا العكس من قولهم، أما ( نحن ) - بين ألف قوس – فلا نُعَرِف شيئًا ولا نَعْرِف شيئًا كذلك، ( نحن ) نشك في ( نحن ) ذاتها ونشك في ( مَن ) والذات الجماعية بالنسبة لنا لحظية، ملازمة لفعل ومفعولة به في الوقت عينه.
مِن شكنا في ( نحن )، الضمير الأشد خصوصية بين كل الضمائر المخصصة لتعريف مجموع، نشك في أشياء أخرى كثيرة ولا نعرفها، لا نعرف الأسماء ولم نلتق بها أبدًا، لا نعرف المحررين المسئولين ولم نلتق بهم أبدًا، لدينا قائمون بأعمال، لحظيون يتغيرون دومًا كنهر هيراقليطس، ولدينا نصوص لحظية، نقرأها فتعجبنا فنترجمها أو ننشرها، دون أن نعرف أسماء أصحابها، جمال لحظي ينتج عن رمية نرد عشوائية, نعجب به فنعمل وفقًا له دون أي تحيز أو خطة مسبقة، فـ ( نحن ) المشكوك فيها تشك في ( هم ) المشكوك فيها كذلك.
هؤلاء ( نحن )، مشكوك فيها ومضطرون لها نتيجة مواضعات اللغة تلك العجوز الشمطاء الخادعة بتعبير نيتشه، أسماك في نهر هيراقليطس المتجدد أبدًا، فمن أراد سباحة في نهر لن يستحم فيه مرة أخرى فليستحم معنا، ومن أراد ثبات نهر أبدي فلا نملك له عندنا لأمره رشدًا.

( الصورة مأخوذة عن الفيلم الأمريكي New York I love You (2009) )