بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 15 سبتمبر، 2010


السمكة خوآن والطائر فينغ/ نصوص من تشوانغ تسو
ترجمة خاصة بالنرد


مقدمة :
" الطاو خاو كالإناء/ قد يتم استخدامه، لكن طاقته لا تنفد/  هو لا قاع له، لكنه ربما كان أصل كل الأشياء/ إنه يثلم حدتها/ ويفك تشابكاتها/ ويخفت نورها/ ويتوحد مع عالم التراب/ وهو في عمقه، وسكونه، يبدو كأنه موجود إلى الأبد "
لاو تسو – كتاب الطاو
( انظر  جون كولر – الفكر الشرقي القديم – عالم المعرفة 199 )

تشوانج تسو ( 369 ق.م على الأرجح -  286 ق.م على الأرجح ) هو معلم الطاوية الثاني بعد لاو تسو، وعلى العكس من لاو تسو وليه تسو الذين تخلو من ذكرهما حوليات التاريخ، فإن تشوانج تسو كان معاصرًا للفيلسوف الصيني الكونفوشي منشيوس، لكن الكتاب المنسوب له، يحوي على الأرجح نصوصًا لكتاب آخرين من عصور مختلفة.
ويصف كتاب تشوانج تسو، في حكايات رمزية وأمثال وقصص عن قديسي الطاو، شكلًا من أشكال المعرفة ( أو العرفان الصوفي ) لا يدركه سوى الشخص الحكيم ( أو السالك بالتعبير الصوفي )، وتقوم فلسفة تشوانج تسو على أساس الاعتقاد بأن السعادة الحقيقية تكمن في تجاوز تجربة الحياة العادية وفناء الذات والتوحد مع لانهائية الكون ومن هنا يأتي قوله " ليس للرجل الكامل ذات، ليس لرجل الروح فعل مجيد، ليس لرجل الحكمة اسم."
( الترجمة عن الإنجليزية،  من كتابي:
The Holy Chuang Tzu by James Legge (Available online from sacred texts)
The Essential Chuang Tzu, by Sam Ham Li and J.P.Seaton, Shambhalla (1999))


الكتاب الأول - 1
هسياو- ياو يو أو التمتع بفطرة غير  مُعَكرٍ صَفوُها


1
في المحيط الشمالي توجد سمكة، اسم تلك السمكة خوآن Khwän  _ ولا أعلم كم لي[1] Li يبلغ حجمها، تلك السمكة تتحول إلى طائر اسمه فينغ[2] Phing، وظهره هو ( أيضًا ) _ لا أعلم كم لي يبلغ امتداده. وحين يُنهض هذا الطائر نفسه ويحلق، يكن جناحاه كتلك السحب التي تحيط بالسماء، وحين يتحرك البحر (كي يحمله على سطحه) ، يتجهز الطائر كي يحرك المحيط الجنوبي، والمحيط الجنوبي هو  يَمُ النعيم.
وهناك (كتاب يدعى) خي هسيه – سجل العجائب، نقرأ فيه تلك الكلمات – " حين يكون الفينغ منتقلاً إلى المحيط الجنوبي فإنه يرفرف ( بجناحيه) على الماء لمسافة ثلاثة آلاف لي، ثم يعرج في إعصار قدره تسعين ألف لي، ثم يخلد للراحة التي تأتي فقط بعد ستة أشهر" (وشبيه بذلك حركة النسائم التي ندعوها) أفراس الحقول، وحركة الغبار (الذي يرجف في سنا الشمس)، وحركة الأشياء الحية التي تعصف ببعضها بفعل الريح. هل لازَوَرْد فينغ هو  لون السماء الأزرق الأكثر زرقة؟ أم أن ذلك فقط بسبب امتداده وبعده اللامحدود عنا؟ لو كنت تنظر من الأعلى ( إلى الأسفل )، سينقلب إليك بصرك بنفس ذات المشهد.
2
بل وأكثر من ذلك ( لنتكلم عن ) جِماع المياه - لو لم يكن جماع المياه عظيمًا فلن يكن له القدرة على دفع قارب، أو  هز كوب من الماء في الفراغ، وستطفو القشة على سطحه كأنها قارب، ضع كوبًا في الفراغ، ستطفو القشة فيه مُسرعة. لكن المياه ضحلة والقارب عظيم – (كذلك الأمر مع) جِماع الرياح، لو لم يكن جِماع الريح عظيمًا لما كان للريح القدرة على رفع الجناحين العظيمين، لذا ( يعرج الفينغ ) إلى إرتفاع قدره تسعين ألف لي، وذلك القدر من الريح العظيمة من تحته، عندها يكن جماع الريح كافيًا، كأنه يحمل تلك السماء الزرقاء فوق ظهره، لاشيء عندها يقدر على منعه أو كبح مساره، يتابع سبيله نحو الجنوب.
يرقة الحقل والحمامة الصغيرة تبسمتا ضاحكتين عند سماع هذا الحديث، قالتا " نبذل جهدينا كي نطير نحو شجرة دردار أو نحو صفصافة، وأحيانًا كثيرة نسقط أرضًا قبل أن نبلغ مبتغانا، أي نفع لذلك (الكائن) ببلوغه ارتفاع تسعين ألف لي، والسعي نحو الجنوب؟"، ذلك الذي يمضي إلى الحقول البعيدة، ويعود عند الوجبة الثالثة ( من وجبات النهار )، سيروح بطانًا كما غدا، ذلك الذي يذهب إلى حد مئة لي سيكون عليه درس قمحه حيث توقف عند الليل، ذلك الذي يمضي حد ألف لي سيكون عليه حمل زاد ثلاثة أشهر معه. فكيف تعي هاتان الضئيلتان حقيقة الخبر؟، لا يستوي الذين يعلمون كثيرًا مع من لايعلمون سوى القليل، (ودربة) سنين قليلة لا ترقى إلى تلك التي لسنين جمة، وكيف لنا أن نعي حقيقة الخبر؟، إن فطر الصباح لا يدرك ( الأمور الحادثة بين ) أول الشهر وآخر الشهر، ويرقة الحقل قصيرة العمر لا تدرك ( الأمور الحادثة بين ) الربيع والخريف، للأعمار الصغيرة  أقدار أحداثها، وفي جنوب خو khu، هناك (شجرة) تدعى مينغ – لينغ، ربيعها خمسمائة عامًا وخريفها مثل ربيعها، وفي الأسلاف الغابرة كانوا يحكون عن شجرة التا – خون، ربيعها ثمانية آلاف عامًا وخريفها مثل ربيعها، وفانغ – زو[3] ذلك الرجل الذي عمر منذ بداية الأيام إلى هذه الأيام، _ لو ( تمنى ) كل الرجال أن يعيشوا مثله، فأي معاناة ستكون تلك المعاناة؟.
3
نقرأ في المسائل التي وضعها تانج  Thang  لكي Ki قصة مشابهة : "في الشمال القفر الخال هناك محيط شاسع من العماء، ذلك هو يم النعيم، فيه سمكة اسمها خوآن، عرضها بضعة آلاف لي، وليس هناك أحد قادرًا على معرفة طولها، وهناك ( أيضًا ) طائر اسمه فِنغ، ظهره كجبال تاي Thai، وجناحاه كالسحب التي تحيط بالسماء، كإعصار يعرج بنفسه نحو السماء كأنه على إلتفافة قرني كبش لمسافة تسعين ألف لي، حتى، بعيدًا عن تلك السحب الدخانية، يستوى رافعًا السماء الزرقاء على ظهره، ثم يمضي نحو الجنوب، نحو المحيط الواقع هناك"، فتبسم سمان، تصادف وجوده على يمين المسير، ضاحكًا من قوله، قائلًا " إلى أين يمضي طائرك ؟، إني أحجل عاليًا ثم أهبط حين أبلغ بضع قامات، ثم أطير هنا وهناك بين الأيك والأجمات، وذلك كمال الطيران، إلى أين يمضي كائنك إذًا؟"، ذلك يبين الفارق بين الحقير  والعظيم.
هناك مثل هؤلاء الرجال الذين تكفي حكمتهم لإدارة مكتب وحيد، أو الذين تكفي فطنتهم لحفظ سلام حي وحيد، أو الذين تكفي فضائلهم ليكونوا حكامًا، وبالكاد يمكنهم إدارة مقاطعة وحيدة، ويقنعون بفطنتهم البالغة ذلك الحد (تمامًا مثل ذلك السمان)، مع ذلك سيتبسم يونج دزِه  المنسوب إلى مقاطعة سونج[4] ساخرًا منهم، (فيونج دزِه) الذي لو كان العالم كله على وشك تعظيمه، لن يسع جاهدًا للحصول على التعظيم، ولو كان العالم كله على وشك تحقيره، لن يسع إلى مقاومة التحقير، ذلك الذي كان عليمًا بالفرقان بين الداخل ( تقديره لذاته ) والخارج ( تقدير الغير له )، ذلك الذي كان يعرف حق المعرفة الحد الفاصل بين المجد والخزيان، لكنه، رغم كل ذلك، توقف عند هذا الحد، لقد خَبَر نعيم اللامبالاة بهذا العالم، لكنه لم يغرس نفسه بعد (في مكانه الصحيح).
وهناك ليه دزِه[5] ذلك الذي ركب الريح ومضى في طريقه، غير مبال بكل الموجودات، لكنه عاد، رغم ذلك، بعد خمسة عشر يومًا (إلى مكانه)، بالنسبة لكل تلك الأشياء (المفترض) أن تُسعد البشر، كان حرًا من كل محاولات السعي عليها، لكنه رغم ذلك لم يمض، كان هناك شيء ما لم يزل عليه انتظاره، لنفرض أن هناك رجلًا عرج فوق (أثير) السماوات والأرض، في عاديتهما، ومضى عبر طاقات التغير الست (الفصول المختلفة)، ثم استمتع باللانهائي، فأي شيء سينتظره ذلك الرجل عندها، حينها يصدق القول "ليس للرجل الكامل ذات، ليس لرجل الروح فعل مجيد، ليس لرجل الحكمة اسم."




[1] لي مقياس صيني للمسافات يساوي 500 متر.
[2] يشابه اسم هذا الطائر الفينيق أو طائر البينو ( أبو منجل ) وكان يمثل  إله الحكمة (  تحوت ) عند قدماء المصريين.
[3] عند بعض المسلمين ومنهم المتصوفة يُعمر الخضر – الرجل الصالح الذي التقى موسى ( ع ) – إلى أن يقتله الدجال في آخر الزمان، وعند الشيعة الإمامية يُعمر المهدي إلى آخر الزمان، وعند كثير من المتصوفة يُعمر رجال صالحون يُدعون بالأقطاب والأوتاد.
[4] تقع مقاطعة سونج في وسط الصين ( على عهد أسرة تشو الملكية في زمن تشوانج تسو )، على الضفة الجنوبية للنهر الأصفر، ويمر أحد الروافد الموسمية للنهر الأصفر بوسطها، وهي موطن الفيلسوف الصيني مو تسو، ولسبب ما ( ربما السخرية من فلسفة مو تسو التي ناهض فيها الكونفوشية ورفض مبدأها في الحب الخاص – حب الوالدين - ونادى بالحب العام – حب الكون كله - ) تُطلق النكات على غباء أهلها وحمقهم.
[5] ليه دزِه ويعرف كذلك بليه تسو هو ثالث أشهر معلمي الطاوية في الصين ( بعد لاو تسو وتشوانج تسو ) وينسب له أفعال عديدة، منها ركوب الرياح، لكن تشوانج تسو على ما يبدو لا ينسب له سوى ذلك السحر بركوب الرياح، يبدو فيما حكاه تشوانج تسو حكيمًا في بعض الأحيان وفي البعض الآخر أحمقًا، وهناك كتاب منسوب له جمع بعد موته، ويضم كثير من حكايات تشوانج تسو عنه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق