بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 15 سبتمبر، 2010

رمية نرد/ نحن الفاعلة ونحن المفعولة




يُوجه نيتشه، كما ينقل عنه كونديرا في ثلاثيته حول الرواية، سؤالاً جوهريًا لجملة ديكارت " أنا أفكر، إذًا أنا موجود "، مصوبًا رصاصات شكه للشق الثاني من الجملة الأولى، الفعل ( أفكر )، رافضًا إياه، قائلاً أن الفكرة هي ما تفكر بنفسها ولنفسها وتأتي للذهن وقتما شاءت، وعلى نحوٍ مخالف لنيتشه ومتفق معه في الوقت عينه، نوجه ( نحن ) – بين قوسين عريضين – سؤالنا إلى الشق الأول من الجملة ذاتها ( أنا ) – وهي مثل نحن -، فنحن ليست قائمة أبدًا بذاتها، إنها محض اخـــــ(ت)ــــلاف، برسم كاظم جهاد في ترجمته لكتاب دريدا الكتابة والاخـــــ(ت)ــــلاف، أو خلاف مُرجئ لآخرين حسب وصف آخرين لمفهوم دريدا نفسه.
مَن نحن؟، هكذا تبدأ أي مجموعة، بتعريفها لذوات أصحابها، مَنْ أداة استفهام تستخدم كأداة وصل للعاقل، ونحن حاء معتقلة بين نونين مثل أختها أنا النون المعتقلة بين ألفين على حد قول محمد عليّ شمس الدين، ليست افتراضًا مسبقًا واهمًا، فـ ( نحن ) تلك هي ملازمة لفعل ما، مُعَرَفة به وناتجة عنه في الوقت ذاته.
يُعرف الآخرون – اختلافنا المُرجئ – أنفسهم قائلين ( نحن، نحن،... ونحن )، مفترضين نحن سابقة وفاعلة ليفعلوا بها ما قد تم فعله من قبلهم، يقولون ليفعلوا العكس من قولهم، أما ( نحن ) - بين ألف قوس – فلا نُعَرِف شيئًا ولا نَعْرِف شيئًا كذلك، ( نحن ) نشك في ( نحن ) ذاتها ونشك في ( مَن ) والذات الجماعية بالنسبة لنا لحظية، ملازمة لفعل ومفعولة به في الوقت عينه.
مِن شكنا في ( نحن )، الضمير الأشد خصوصية بين كل الضمائر المخصصة لتعريف مجموع، نشك في أشياء أخرى كثيرة ولا نعرفها، لا نعرف الأسماء ولم نلتق بها أبدًا، لا نعرف المحررين المسئولين ولم نلتق بهم أبدًا، لدينا قائمون بأعمال، لحظيون يتغيرون دومًا كنهر هيراقليطس، ولدينا نصوص لحظية، نقرأها فتعجبنا فنترجمها أو ننشرها، دون أن نعرف أسماء أصحابها، جمال لحظي ينتج عن رمية نرد عشوائية, نعجب به فنعمل وفقًا له دون أي تحيز أو خطة مسبقة، فـ ( نحن ) المشكوك فيها تشك في ( هم ) المشكوك فيها كذلك.
هؤلاء ( نحن )، مشكوك فيها ومضطرون لها نتيجة مواضعات اللغة تلك العجوز الشمطاء الخادعة بتعبير نيتشه، أسماك في نهر هيراقليطس المتجدد أبدًا، فمن أراد سباحة في نهر لن يستحم فيه مرة أخرى فليستحم معنا، ومن أراد ثبات نهر أبدي فلا نملك له عندنا لأمره رشدًا.

( الصورة مأخوذة عن الفيلم الأمريكي New York I love You (2009) )


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق